اليمن: عندما يتعرض الفن للاخفاء القسري أيضاً

قبل قرابة الأسبوعين، اطلق الرسام اليمني، مراد سبيع، حملة «الجدران تتذكر وجوههم». الحملة التي تتحدث عن المخفيين قسراً في اليمن، أراد من خلالها الرسام اليمني وباقي الناشطين الذين يدعمونه أن تكون استكمالاً لحملة «لون جدار شارعك» التي سبق وأطلقها، وتبنياً لـ«قضية تناساها المجتمع لعقود». كما اختار سبيع حملته الجديدة لتكون مساهمة «ولو بقدر بسيط باحلال الجمال والسلام في قلوب أسر المخفيين قسرياً وعلى جدران الشوارع التي بالتأكيد تفتقدهم هي الأخرى، فللجدران ذاكرة رحبة لا متناهية، وهي أوسع من ذاكرة الإنسان الضيقة غالباً».


لكن هذه الرغبة لم تكن بمنأى عن التشويه. فبعد أيام من الرسم على الجدران وجوه مجموعة من المخفيين قسراً، تفاجأ أهالي العاصمة اليمينة صنعاء بتشويه جمع الرسوم  التي شملت سلطان القرشي وزير التجارة والتموين في عهد الرئيس اليمني السابق ابراهيم الحمدي إلى جانب كل من علي قناف زهرة وعبد العزيز عون و٩ وجوه أخرى. كما تم تشويه عبارات التعريف بالمخفيين قسراً المكتوبة باللغتين الانكليزية والعربية.
هذه الخطوة أثارت استياءً واسعاً في أوساط الناشطين اليمنيين وأسر المخفيين قسراً الذين رأوا في التشويه المتعمد للجداريات محاولة لطمس مصير هؤلاء المخفيين، واشارة واضحة من الفاعلين على أنهم يخافون من أن يتذكر الناس جرائمهم السابقة. أما أصابع الاتهام فوجهت بشكل رئيسي إلى قائد الفرقة أولى مدرع، اللواء المنشق علي محسن الأحمر. الصحافي فتحي أبو النصر، كتب على صفحته على «فايسبوك» يقول : «يبدو أن علي محسن لم يتحمل نظرات المخفيين قسرياً حيث قام أشاوسته بطمس جداريات المختفين قسرياً في جسر مذبح بالعاصمة صنعاء الواقعة تحت سيطرته حتى اللحظة».
بدوره، صوب الصحافي اليمني سامي غالب، الذي سبق أن سلط الضوء عبر صحيفته «النداء» على قضية المخفيين قسراً ومعاناة أقاربهم على علي محسن الأحمر بوصفه المتهم. وكتب عبر «فاسيبوك» يقول : «فرقة علي محسن الدميمة، لم تصمد أكثر من 24 ساعة. طمست بقبحها جداريات المختفين قسرياً في جسر مذبح بالعاصمة صنعاء». وأضاف «جداريتان اثنتان للمختفيين قسرياً علي قناف زهرة وسلطان أمين القرشي. أطاشتا بعقل علي محسن الأحمر وجهازه الأمني الذي يطبق على أنفاس سكان الضاحية الشمالية من العاصمة».
ولعل هوية أحدث الوجوه المرسومة، وتحديداً  القرشي قد تفسر هذا التوجه لتشويه صور جميع المخفيين وخصوصاً أن الحملة لم تتعرض طوال الأيام الماضية لأي تشويه. فالقرشي إلى جانب كونه وزيراً سابقاً فهو أحد مؤسسي حزب الطليعة اليساري، اعتقل العام 1978 من قبل الاستخبارات السياسية. بعد الاعتقال انقطعت أخباره إلى أن تمكن من تهريب رسالتين من المعتقل احداها وجهت لابنته انتصار فيما الثانية تحدث فيها عن ظروف اعتقاله كنقص الطعام وسوء لباس السجن والحرمان من مغادرة الزنزانة إلا خمس دقائق يومياً لقضاء الحاجة، لتنقطع بعد ذلك أخباره بشكل نهائي.
وعبرت ابنة سلطان القرشي، هالة، لـ«برس نت» عن استياءها مما تعرضت له الجداريات من تشويه. وقالت «كنت في غاية السعادة وأنا أرى صورة والدي تنطق من على جدار تحاكي ابتسامته. أربعة وثلاثين عاماً من الاخفاء شعرت بها ترسم بأنامل شاب لم يتعدى أربع وعشرين ربيعاً». وبعدما شددت على أن «صور المخفين قسراً هي نصر حقيقي وخصوصاً أن استمرار وجودهم في الذاكرة أقوى سلاح ضد نظام حاول اخفائهم جسدياً بينما هم روح وعقل للحاضر»، أضافت «صحوت على خبر طمس الجداريات باللون الأزرق وذهبت الى هناك ورأيت الحقد والخوف منهم تجلى بتلك الزرقة التي تشبه زرقه الغرق والاختناق من ظهور هؤلاء».
أما صاحب الحملة، مراد سبيع، فأكد أن الإخفاء القسري يطال الناس والفن أيضاً، مؤكداً أن “هذه ليست إرادة الجدران بل إرادة من يعتقدون بأن الجدران تخاف سطوتهم”.
ولفت إلى أنه “ما تعرضت له وجوه المخفيين قسراً التي رسمت ضمن حملة الجدران تتذكر وجوههم من تشويه وطمس في عمل ممنهج، يعد امتداداً لتلك الجريمة التي ارتكبت ضد المخفيين قسراً أنفسهم، والسبب كونها تذكيراً بهم”.
وأضاف “كما أخفي أصحاب الوجوه قبل عقود من الزمن، اليوم ايضاً يتم أخفاء قسري لأي ذكر لهم”.
لكنه نبه إلى أن “تلك الجداريات التي تذكر بالمخفيين قسرياً برهنت اليوم بإنها أحدثت ثقوباً في صخرة الإخفاء القسري التي قامت على مدى عقود بمسح أثآر اولئك المخفيين”.
وخلص إلى التأكيد أن “رسالة الفن التي أرادت حملة “الجدران تتذكر وجوههم” ان توصلها إلى المجتمع اليمني الكبير هي أنه يضم مجتمعاً مصغراً: إنه مجتمع أسر المخفيين قسرياً، ذلك المجتمع الذي يعيش ولا يعيش”.وأضاف “لقد حاولت أنا وزملائي وسنظل نحاول كفنانين ان نقوم بدورنا الإنساني في التعريف بهم مهما واجهتنا العراقيل”.
هذا التصميم على رفض الانكسار تزامن مع توجيه  الكاتبة اليمنية نبيلة الزبير، رسلة بعد الحادثة عبر «الفايسبوك» إلى «مراد سبيع ورفاقه الثوار والثائرات في ثورتهم السلمية المتجددة والتي اتخذت في آخر تعبيراتها، غير الأخيرة طبعاً: فن رسم المخفيين قسراً على، جدرانات شوارعنا خاصة تلك القريبة من المشتبه بهم بالضلوع في جرم الإخفاء».
وتوجهت إلى الشباب قائلة : «أقول لكم بكل اعتزاز: رسالتكم وصلت وبأقوى ما تقدر عليه ثورة سلمية من هز عروش الطغاة إنهم يسارعون إلى محو جرائمهم في الملفات التي تفتحونها ولكنها بفعلهم هذا ترتسم أكثر وضوحاً». وطالب مراد ورفاقه بالاستمرار في الحملة التي سبقتها أيضاً حملة «لون جدار شارعك»، مشددةً على أن «الثورة لا تقهرها ممحاة».

أقرأ المزيد..