هل يعود اليمن سعيدا؟.. شقيقان يهزمان الحرب بالألوان (حوار)/ بقلم إشراق أحمد, على موقع “مصراوي”

هل يعود اليمن سعيدا؟.. شقيقان يهزمان الحرب بالألوان (حوار)

06:11 مالأربعاء 06 مارس 2019
 هل يعود اليمن سعيدا؟.. شقيقان يهزمان الحرب بالألوان (حوار)
إحدى لوحات مراد سبيع في اليمن

كتبت- إشراق أحمد: 

في الحرب لا تُعدم الوسيلة. لم يجد الشقيقان مراد وهيفاء سبيع سوى الفن، لإسماع صوت اليمن الذي لم يعد سعيدًا منذ مسه الحرب عام 2015.
لم يكن فقد هيفاء لعملها جراء الحرب أكبر الخسائر، بل المناظر المأساوية التي تعيشها السيدة العشرينية؛ الرعب الذي يعصف بأمانها يوميًا، كذلك لم يعد لدى شقيقها مراد شيئا سوى غرس الأمل في نفسه وتمريره للآخرين، حاول الشقيقان المقاومة بما يجيدا منذ الصغر، فكان الرسم وسيلتهما والشوارع لوحتهما التي لا تنضب أوراقها.
مع العام 2012 اقتحم مراد صمت مدينة صنعاء، دعا للرسم في الشوارع عبر فيسبوك “كنت واحد من اللي نزلوا الشارع واتأثرت حال اليمنيين بالثورة قبل أن يحدث انتكاسة وتتواجد الحركات الانفصالية” يقول الشاب لمصراوي. أصاب الاقتتال مراد بخيبة الأمل، فنشر دعوته في الفضاء الإلكتروني، وحمل ألوانه ونزل دون أن يتوقع مشاركة أحد.

 

1

ذهب صاحب الواحد والثلاثين ربيعًا بالقرب من منطقة ساحات الثورة، لم يثنه منع طرفي الاقتتال له، في مساحة وسطى بينهما تقدر بنحو 200 مترًا كانت بمثابة “الخط الأحمر”، وضع مراد فرشاته وألوانه على الجدار لأول مرة، رسم الشاب لنحو 4 ساعات، ما غاب عنها الخوف، مما دفعه للاتصال بصديق لعله يرسل خبرًا لأسرته إن وقع مكروهًا.
كان ذلك في 15 مارس حين استمر مراد يرسم وحيدًا على مدار أسبوع، قبل أن يلتفت له الإعلام في اليوم الرابع، فيما انتبه المارة لاختلاف ما يفعله، كانوا يظنونه أحد كاتبي الشعارات التي ملوها قبل أن تجذبهم الألوان، فانضم له البعض، وأصبح كل خميس لقاء فني يمتد اليمنيون فيه على الجدار للرسم عليه، ومن وقتها أخذ مراد عهدا على نفسه؛ أن يصبح الخامس عشر من مارس يوما مفتوحا للفن في اليمنّ.

2

على جدران شوارع اليمن عبر الشقيق الأكبر عن بعض قضايا مجتمعه، منح ركامها ألوانًا زاهية، ورسائل من قلب معاناة الحرب. أطلق مراد العديد من الحملات بلغ عددها ست، امتدت لفترات مختلفة، حتى أصبح تواجد أحدهم يحمل فرشاة أو بخاخ ألوان معتاد عليه بعدما كان غريبًا في السابق كما يصف مراد.
ولم تكن الأخت الصغرى، هيفاء، بعيدة عن ذلك. شاركت شقيقها في حملتين، وقررت النزول إلى الشارع بعد الحرب عام 2015، فمسها الإلهام، لتطلق في 17 أغسطس 2017 حملة “ضحايا صامتون” دعت محبي الفن إلى التعبير عن النساء والأطفال، الفئات التي تراها ابنة آل سبيع الأكثر تضررًا في هذه الحرب، كذلك أرادت أن تقود الفتيات لاقتحام الطرقات ووضع بصمتهن فلا تظل مواهبهن أسيرة الورق.

3

عامان ونصف لا تبرح هيفاء شوارع مدينة صنعاء، تصحب عدتها من الفرش والألوان وتتوجه صوب الجدران، وفي غضون ساعات تغادرها بعدما تترك عليها شيء من رسائل أهل اليمن، يصاحبها فتيات لا يتجاوز عددهن السبع، فالكثير يخفن المشاركة إما خوفًا من الأهل أو الوضع الأمني حسب قول هيفاء.
طفل من عظام، إيقاع الحرب، جنسيتي نازحة. بعض من الرسوم التي نفذتها هيفاء في شوارع صنعاء. “الرسم لا يحتاج لغة للحديث عنه.. هو لغة بحد ذاته، يكفي أن ترى اللوحة وتصلك رسالة الفنان” تقول ابنة صنعاء، فيما ترى أنه عبر الرسوم الجدارية التي أخذت في الانتشار أصبح بعض الناس حول العالم يعلمون بأمر الحرب ومعاناة اليمنيين.

4

بات مراد على يقين أن صرخة جدران اليمن تجاوزت الحدود، لم يعد اليوم المفتوح للفن يقام في مدن البلد المنكوب، يقول الشاب إن العام الماضي في الموعد ذاته من مارس، أقيمت الفاعلية في 10 مدن بينها 4 بالخارج، في فرنسا وكوريا ومدينتين في مدغشقر “إحنا بلد هامشي بالنسبة للعالم لذلك حاولت أعمل جسور فنية تربط الناس مع بعضها في مناطق مختلفة”.
عمل ابن صنعاء على التواصل مع المهتمين في دول عدة ليسيروا على درب اليمن، ليخرج مراد بلده في يوم من دائرة الحرب إلى القيادة، يقول “عادة ما يكون الجمهور مشاهد وليس صانع فن لكن اللي حصل في اليمن استثنائي الجمهور جزء من العمل، مساهم فيه”.

5

6 حملات أطلقها مراد على مدار 8 أعوام، يواصل العمل في آخرها الحاملة لاسم “وجوه الحرب”، لكن جميعها أرسى فيها قواعده؛ الأولى ألا يتدخل فيها أي طرف سياسي أو يتحكم فيها المال بأي شكل من الأشكال، وأما الثانية أن يكون الناس جزء منها، يتذكر الشاب الثلاثيني حملته الأولى “لون جدار شارعك” و”الجدران تتذكر” تلك الأخيرة التي سجلت طيلة 7 أشهر وجوه وقصص المختفين قسرياً في اليمن منذ نهاية الستينات وحتى عام 2012 وقت تنفيذها.

6

في شارع “حدة” في مدينة السبعين، جنوب صنعاء، رسمت هيفاء رسمتها الأولى، طفل وامرأة يظهر من خلفهما الدمار. ومعهما لمست ردود الفعل “في البداية فضول وحب استطلاع وبعد الجدراية أصبح التفاعل أكبر من قبل المارة”.
كذلك لمس قلب مراد رؤية اليمنيين يرسمون، أو توقف أحدهم لجلب الألوان ودعم المشاركين بما في استطاعته، يشعر الشاب بأن صدق فعلهم لاقى الأفئدة. يقول إنه وقت الثورة كان هناك من يطمس الجدرايات فيستنكر الناس ذلك، لكن اللافت بالنسبة له “أنه بعدين رجعوا يطمسوا لكن يرسموا أشياء أخرى حتى الميليشيات التي لا تمثل اليمنيين صاروا يستخدموا الفن كوسيلة”، يرى الشاب أن هذا مكسب للفن رغم اختلاف الأغراض والرسائل.

7

لكن لم يكن كل ما استقبله الشقيقين مفرحًا. “واجهت التهديد بالسجن والتصفية من قِبل الحوثيين” تقول هيفاء عما عانته بسبب ما تفعل، فضلاً عن ردود الفعل المباشرة، مثل إثنائها عن مواصلة الرسم بالمنع حينًا ومصادرة أدواتها أحيانًا، أو دفعها لترك المكان بفرض أفكار لرسمها، فيما تعتبر ذلك أمر غير مقبول “لأن ما أقوم برسمه يجب أن يكون صادقًا وخالصًا لأجل الإنسانية ولا يخضع لرغبات أي طرف كان”.

8

أما مراد، فالتعرض للتوقيف لم يعد غريباً، لكنه طالما حرص على تجاوز الواقع بالفكاهة، يستعيد يوم أن ذهب للرسم على إحدى المدارس التي قصفت شمال اليمن، لم يكن على علم أن وجهتهم لخط المواجهات في “نهم”، فكانت النتيجة؛ احتجازهم لمدة ساعة في منزل طيني تم استحداثه كسجن، وما أن علا الصوت حتى سمعوا صراخ أحد اليمنيين المحتجزين ساخرًا “ودفت أمريكا –انتهت” يقول مراد مبتسمًا.
تبدلت الحياة في صنعاء على كافة الأصعدة، صارت المدينة بائسة، يتملك منها الجوع والتذمر، فيما لا تنقطع الدعوات بالفرج وانتهاء الغمة قريبًا. انقطاع الرواتب مقابل ارتفاع الأسعار بشكل جنوني دفع البعض للانتحار كما يقول الشقيقان.

9

لحظات عصيبة لا تغادر ابنا آل سبيع، لا تتوقف عند أعداد ضحايا الحرب البالغ عددهم حتى الآن نحو 70 ألفًا ما بين قتيل وجريح، بل الشعور بدنو الموت، يذكر مراد ابن عمه ذي الأربعة عشر عامًا “تم تجنيده وقتل في قصف طيران قبل عامين”، فيما لا تمحى ذكرى يوم الثامن عشر من سبتمبر 2015 من ذاكرة هيفاء.
كان مساء يوم الجمعة حين قُصف معسكر حرس الشرف، القريب من منزل هيفاء في منطقة الزبيري وسط صنعاء. “كنت استمع وقتها للموسيقى في غرفتي بجوار النافذة. لحظات حتى ارتطم رأسي في الأرض ووجدت نفسي في الصالة أبحث عن أمي. لا أعلم كيف خرجت. عندها أخرجني أجي الصغير من البيت وأوصلني لمنزل أخي في شارع آخر” تحكي هيفاء كيف رأت الموت بغتة في صمت، لهذا قررت وشقيقها كسر هذا السكوت الذي تفرضه الحرب لتصرخ به الجدران.

10

كرس مراد حياته للفن منذ عام 2001، حتى حينما فاز بجائزة السلام في الفن عام 2014 من إيطاليا، صنع بمقابلها المادي عمل فني اسماه “منحوت الفجر” حديد يمتد لارتفاع قرابة مترين يرمز للوحدة بين اليمنيين لبناء دولتهم قبل 3 آلاف سنة.

11

لم يدرس أبناء سبيع الرسم أكاديميًا، بل مارساه “مفيش كلية فنون في صنعاء” كما يقول الشاب، لكنهما استطاعا نشره في أرجاء بلادهما. يتملك اليأس من الشقيقان أحيانًا، لاسيما حينما ترى هيفاء انتشار منظمات الإغاثة “أشعر أن الوضع لن يتحسن وأن الحرب ستستمر لوقت غير معلوم”، لكن سرعان ما تتعافى، تتذكر كيف أخرجها فن الشارع من الحالة السيئة التي سبق أن مرت بها، فيما يفكر مراد في سبيل آخر غير التحلي بالأمل فلا يجد “إذا توقفنا عن الحلم هل في بديل غير حفر القبر. لا يوجد خيار آخر غير أني أقول بكرة بيكون أفضل مش مجرد القول لكن اتحرك واشتغل”.

12

إقرأ المزيد..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s