#

اليمن يبحث عن «المخفيـين قسرا»

المصدر: الأهرام العربى
يناير/2013/12

صنعاء:
بعد عقود من الصمت والخوف خرجت ملفات المخفيين قسرا فى اليمن إلى العلانية. حصاد سنوات طويلة من الصراعات السياسية ومحاولات الانقلاب على الأنظمة والحكومات طالت رموزا وقيادات وناشطين حكمت الظروف على أهلهم بألا يتسلموا رفاتهم ودفنهم إلى الآن. الرقم ليس معروفا بدقة، ولكنه يقدر بالمئات فى الشمال والجنوب، وأسهم فى إظهار القضية انتهاء نظام الرئيس السابق على عبدالله صالح ونجاح ثورة الشباب فى كسر الكثير من المفاهيم الجامدة، كما أسهمت فيه حملات ميدانية لفنانين تشكيليين أطلقوها بعنوان «الجدران تتذكر وجوههم»، تتضمن رسم وجوه المخفيين على جدران عدد من شوارع صنعاء.
ويقول الفنان اليمنى الشاب مراد سبيع، صاحب فكرة الحملة التى بدأت قبل بضعة أسابيع: إنها تسعى إلى طرح قضية المخفيين قسراً التى لطالما تناساها المجتمع على مدى عقود من الزمن.


وأضاف: نسعى من خلال اللون والريشة إلى إحلال السلام والجمال فى قلوب أسر المخفيين وعبر جدران الشوارع، لنعبر عن مدى اشتياقنا لهؤلاء المخفيين، وتأكيداً لعدم نسياننا لهم، مشيراً إلى أن للجدران ذاكرة رحبة هى أوسع من ذاكرة الإنسان الضيقة.
وقال سبيع: إن الطريقة المتبعة فى الحملة الحالية لا تقوم على الرسم بالمعنى الدقيق، بل تعتمد على قوالب لصور المخفيين قسراً يتم تجهيزها فى المرسم ثم يجرى تطبيقها على جدران الشوارع. ويبقى لكل رسام استخدام الأسلوب الملائم، شرط أن يحرص العمل على تجسيد ملامح الشخص المخفي.
حصاد مر
وتعود قضية الاختفاء القسرى إلى لحظة الحرب الأهلية فى شمال اليمن فى ستينيات القرن الماضى، والصراعات السياسية التى شهدها الجنوب منذ استقلاله عن بريطانيا عام 1967. وقد مر اليمن بمحطات عديدة من الصراع على السلطة سواء على الصعيد الشطرى فى الشمال والجنوب أم فى إطار الدولة الموحدة عام 1990، التى شهدت أيضا حرب صيف 1994، بين قوات الشمال وقوات الجنوب. وبرغم أن الوحدة كانت قد تمت بطريقة سلمية، فإن ذلك لم يمنع نشوب الحرب التى خلفت الكثير من الضحايا، كما أضافت أعداداً أخرى لملف المخفيين قسرا الذي ظل جرحا نازفا فى قلب كل أسرة يمنية فقدت حبيبا لها ولم تعرف شيئا عن مصيره حتى اللحظة.
هذا الوضع دفع بعض الأسر المتضررة إلى تأسيس «الرابطة اليمنية لأسر المخفيين قسرا» فى مارس 2012، وقد وصل عدد أعضاء هذه الرابطة إلى نحو 200 عضو. وتهدف الرابطة لتكوين إطار قانونى يتبنى القضية ويقدمها للحوار الوطنى المزمع بين القوى الوطنية، بهدف معرفة مصيرهم وكشف الحقيقة وتقديم المسئولين للمحاكمة أمام المحاكم الوطنية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، استنادا للإعلان العالمى لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. وتنتهج الرابطة تنظيم الوقفات الاحتجاجية، وتشكيل جماعات الضغط الإعلامى والاجتماعي، وعقد الندوات ورفع المطالب ورسم اللوحات الجدارية التى تحمل صور وبيانات المخفيين قسرا، كبرنامج للعمل ووسيلة للتعريف بضحايا الإخفاء القسرى والتذكير بهم وكشف مصيرهم.
قادة انقلاب ضد صالح ومن بين أبرز الشخصيات المخفية قسرا قيادات ناصرية حاولت الانقلاب على الرئيس السابق على عبدالله صالح فى أكتوبر 1987، وبعد ثلاثة أشهر فقط من توليه الحكم، حيث تم اعتقال هذه القيادات وإعدام بعضهم أحياء وإخفاء البعض الآخر. ويؤكد القيادى الناصرى حاتم أبوحاتم. أن الشهداء الناصريين تمت محاكمتهم محاكمة صورية فى أكتوبر 1978، وأعدموا جماعياً من قبل الرئيس السابق على صالح وشريكه على محسن الأحمر، باعتبارهم رموز النظام البائد وذلك تحت كلية الطيران عند بيت الرئيس اليمنى الحالى عبدربه منصور هادي، مشيرا إلى أنهم حفروا له? خندقا وضربوهم بالرصاص وبعضهم دفنوه بالتراب وهم أحياء، وآخرون أيضا قتلوا على حد قوله.
وفى السياق نفسه كثفت المنظمات الحقوقية اليمنية نشاطها لكشف ملابسات قضايا المخفيين، ومنها المنظمة اليمنية لمراقبة حقوق الإنسان، والتى قالت إنها فتحت اتصالاتها مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فى جنيف، للتعاون المشترك بينهما لتفعيل وإبراز هذه القضية الإنسانية التى تعانى منها أسر كثيرة فى اليمن. وأفادت مصادر فى المنظمة أنها تعد قائمة طويلة من أسماء المختفين قسرا إلى الفريق العامل التابع للأمم المتحدة، من بينهم أسماء مختفين قسرا فى عدد من المحافظات الجنوبية بعد حرب 1994، وكذا أسماء لمختف?ن إثر الانقلاب الفاشل للناصريين فى أكتوبر 1978، كما سيتضمن الملف قائمة بأسماء المفقودين خلال وبعد حرب صعدة بين السلطة اليمنية وأنصار جماعة حسين الحوثي.
ويطالب عبدالسلام أحمد مسئول مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان فى صنعاء، الحكومة اليمنية بالمصادقة على العهد الدولى بالمخفيين قسرياً الذى صدر قبل  نحو 10 سنوات من الأمم المتحدة».
وأضاف: «اليمن لم يصادق على هذا العهد حتى الآن، وهناك مطالب من أهالى المفقودين ومن منظمات المجتمع المدنى بأن يلتحق اليمن بهذا، كون لديه العديد من هذه القضايا سواء كانت تتعلق بالتعذيب أم الإخفاء القسري».
تجاوب حكومى
وأخيرا أبدت الحكومة اليمنية تجاوبا مع القضية، حيث ناقش مجلس الوزراء تقرير وزارة حقوق الإنسان الخاص بالمعتقلين والمحتجزين والمخفيين قسرا.
وأكد المجلس بهذا الخصوص على لجنة الشئون العسكرية وتحقيق الأمن والاستقرار ووزيرة حقوق الإنسان، اتخاذ الإجراءات اللازمة للبحث والتحرى والتقصى حول الأشخاص المشمولين فى قائمة المعتقلين المبلغ عنهم من قبل أسرهم، واقتراح المعالجات السريعة والعاجلة للحالات المثبتة، مع مراعاة من هم محتجزون على ذمة قضايا جنائية.
من جهتها قالت وزيرة حقوق الإنسان اليمنية حورية مشهور، إن الوزارة مستعدة لفتح كل ملفات المخفيين قسرا وجرائم القتل بحق النشطاء السياسيين ونشطاء الثورة السلمية، بما فيها ملف الشهيد الرئيس إبراهيم الحمدي، الذى قتل فى ظروف غامضة عام 1974.
وأوضحت مشهور أن المعنيين بالشكاوى فى الوزارة سيجلسون مع قانونيين من أسر المخفيين قسريا والمجهولة جثامينهم لإعداد ملفات مستكملة ومخاطبة النائب العام لفتح ملفات تلك الجرائم.
وأشارت حورية مشهور إلى أن عدد المعتقلين والمخفيين من شباب الثورة الشبابية الأخيرة عام 2011، نحو 75 معتقلا، وذلك بحسب البلاغات والشكاوى التى تلقتها وزارة حقوق الإنسان من أهاليهم، وهذا لا يعنى عدم وجود آخرين لا يعلم مصيرهم، ولم تبلغ أسرهم عن اختفائهم رسميا.
وقالت إن هناك بلاغات بقيام جماعات عنف مسلحة «كجماعة أنصار الشريعة ــ القاعدة باليمن» أو جماعة الحوثى فى صعدة، باعتقالات وإخفاء قسرى لمواطنين.
واستمعت اللجنة العسكرية المنبثقة عن المبادرة الخليجية والتى يرأسها وزيرا الدفاع والداخلية قبل أيام إلى تقرير اللجنة المكلفة بتقصى الحقائق حول المخفيين قسريا برئاسة عضو اللجنة الدكتور رياض القرشي، الذى قدم تقريرا حول كل الإجراءات التى اتخذتها اللجنة وإيضاحات حول الحالات التى جرى متابعتها والتحرى عنها بالتنسيق مع الجهات المختصة والاطلاع على الإجراءات المتخذة بشأنها. وأقر الاجتماع استمرار عمل اللجنة حتى استكمال جميع الإجراءات القانونية والإنسانية.
وكان مجلس النواب اليمنى استمع إلى رسالة الرئيس عبدربه منصور هادي، بشأن استكمال الإجراءات الدستورية لمشروع قانون المصالحة الوطنية لتحقيق العدالة الانتقالية، والذي أعرب عن أمله أن يحقق هذا القانون التهيئة للمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. مشيرا إلى أن هذا القانون يضع حداً لآثار الصراعات السياسية وبدء صفحة جديدة من علاقات التسامح والوئام بين كل القوى فى المجتمع اليمنى وتحقيق ما يصبو إليه الجميع من أمن وسلام واستقرار.

أقرأ المزيد..