جداريات الحرب… صرخة فنية يمنية تنبذ الدمار وتدعو للسلام

لوحات التشكيليين سجّلت مأساة الإنسان اليمني… و”رقصة الموتى الأخيرة” و”الأم المكلومة” أبرزها

جدارية “التهام” على جدار متحف حروب الإمبريالية ببريطانيا (اندبندنت عربية)

يظلّ الفنانون أحد أهم التجليات التعبيرية الإبداعية للشعوب في مختلف الأزمنة، ولسان حالها المعبّر، فكيف لو كان الزمن حرباً أنهكت البلد الفقير؟!

ومثلما مسّت الحرب قلب كل يمني، كانت تسكن أيضاً قلب كل فنان تشكيلي تدفقت ألواناً من قلب ريشته بتجليات فنية مبدعة، حملت في رسالتها ثنائية نبذ الحرب وجحيمها، والدعوة إلى السلام والوئام المنشود.

 

دعوة إلى السلام
وبغض النظر عن علاقة البعد السياسي بالثقافي، الذي يميز الفن العربي عموماً واليمني منه على وجه الخصوص، لم يكن الفنان اليمني يوماً بمنأى عن المآلات التي خلَّفتها الحرب، فكان بحق هو الصوت الصادح الذي صرخت به جدران صنعاء وعدن ومأرب وتعز وغيرها، بجداريات عكست مدى تأثر الناس بالحرب، وتفنّنت رسائلها الصريحة والضمنية في حث الخطاب الجمعي للدعوة إلى السلام.

يوميات الحرب منطلق للإلهام
وفي حين حضر (الغرافيتي) بألوانه الصارخة في مدن وأرياف اليمن، لم تخل هذه التجربة التي ألهمتها الحرب من محاولة إيصال صوت اليمنيين في الخارج برسم “صورة” عن اليمن وتاريخه المتجذر ويوميات الحرب الطاحنة.

من ضمن هذه التجارب، جملة الجداريات التي نفّذها فنانون تشكيليون يمنيون في عدد من المدن الأوروبية والآسيوية، وكانت الحرب منطلقاً لأفكارهم، ومن ضمنها جداريات الفنان التشكيلي اليمني مراد سبيع وشقيقته هيفاء في لندن وباريس ومرسيليا وسنغافورة ومدن أخرى.

وعن تجاربه هذه يقول الفنان التشكيلي مراد سبيع، “الحرب تؤثر بطريقة مباشرة على تجليات الفنانيين التشكيليين، وهم خير من يعبر عنها وعن مآلاتها المظلمة، لأنهم بطبيعة الحال أبناء بلدهم، ومن الطبيعي أن يعبروا بإبداعاتهم عن حال بلدانهم وشعوبهم”.

كثيراً ما يتحدّث المثقف والفنان عن إلهام من نوع خاص تبعثه الأزمات والحروب في إبداعاتهم، باعتبارهم خير من يعبر عن الناس. يضيف سبيع خلال حديثه إلى “اندبندنت عربية”، “لا شك أن أعمال كثير من الفنانين تأثرت بشكل واضح بظروف الحرب، لأنهم عاشوا واقعها القاسي على كل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحتى على مستوى حريتهم وحرية التنقل، وكانوا في مقدمة من تأثر بها، ولهذا فمشاعرهم تنعكس بطريقة مباشرة على أعمالهم”.

السلام والأحلام
ويرى سبيع، الذي بدأ مشواره في العام 2014، أن أعمال الفنانين في حالة الحرب “تحمل دوماً مشاعرها السوداوية، وتتجلى في إبداعاتهم جداريات الدعوة إلى السلام والوئام، لكن في حالة السلام فالتعبير عن الآمال والأحلام هو السائد غالبا”ً.

رقصة الموتى الأخيرة
ولفتت أنظار المارة وسط باريس، جدارية تظهر ثلاث جثث رُسمت على خلفية حمراء مجسِّدة المأساة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون.

يقول مراد إن لوحة “رقصة الموتى الأخيرة” التي يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار “تجسّد مأساة الاعتقالات التعسفية التي تمارسها الميليشيا بحق اليمنيين”.

ويوضح، “الجدارية تأتي ضمن مجموعة أعمال نفّذها في باريس، تنقل بشكل مباشر تأثير الحرب على الناس والمدنيين والضحايا، وهي مستوحاة من قصص حقيقية لأشخاص لقوا حتفهم في الحرب”.

أعمال في لندن
وكان لمدينة الضباب نصيبٌ من محاولات سبيع لفت أنظار العالم إلى مأساة شعبه بعدة أعمال.

يقول، “أنجزتُ في لندن ثلاث جداريات في يوليو (تموز) من العام المنصرم ضمن حملة (وجوه الحرب)، أسميت الجدارية الأولى (الأم المكلومة)، والثانية (الجيل الضايع) بينما الثالثة (شهية طيبة) تركّز على كارثية الحرب، وأن استمرارها سيؤدي إلى مضاعفة مآسي الشعب اليمني، وتعكس معاناة الضحايا مع الميليشيا في شمال اليمن، وأطراف الحرب المختلفة”.

حضور نسوي
من اللافت للنظر الحضور المتزايد للفنانات التشكيليات اللواتي كان لهن خلال سنوات الحرب الماضية حضورٌ كبيرٌ في كثيرٍ من الفعاليات والأعمال الفنية المعبرة عن معاناة الناس ويوميات الحرب.

ففي صنعاء، تتزين جدران شارع الزبيري (أحد أشهر أحياء العاصمة اليمنية) بكثير من اللوحات الفنية للفنانة هيفاء سبيع وعدد من زميلاتها تبرز في مجملها معاناة الإنسان اليمني، كما تظهر اهتماماً خاصاً بقضايا المرأة والطفل، وما يعانونه من جوع وأمراض ونزوح… إلخ.

منع وتهديد
غير أن فنانات أخريات اشتكين منع فرشاتهن وألوانهن من التعبير على جداريات مدن يمنية أخرى.

تقول الفنانة التشكيلية منال شيباني، “حاولت أن أرسم جداريات فنية في عددٍ من أحياء عدن، إلا أني قُوبلت بالمنع التام من قبل جهات سياسية، مع التهديد في حال نفذت أعمالي، ومشترطين عليّ تنفيذ رسوم تدعوا إلى مساندتهم إضافة لرسم علم (جمهورية اليمن الديموقراطية) قبل إعادة توحيد اليمن 1990”.

الحكومة لا تحمي الإبداع
وعن دور السلطات الرسمية في حمايتها لتنفيذ أعمالها الفنية، أوضحت خلال حديثها مع “اندبندنت عربية”، أنها خاطبت الجهات الرسمية ومديري المديريات في عدن غير أن طلبها “قوبل بالرفض التام”.

وتضيف، “في عدن يُسمح للمنظمات بأن تنفذ رسوماً بسيطة توعوية عن النظافة فقط، لكن بوساطات قوية”.

الفن ليس للغرف المظلمة
تستدل منال بتجربة تصفها بـ”المريرة”، عندما تقدّمت بطلب إلى مدير إحدى المديريات في عدن بالرسم على مبنى خاص بالكهرباء الذي يقع على الواجهة من المارة، لإعطاء منظر جمالي للشارع الكئيب.

لكن طلبها “قُوبل بالرفض أيضاً”، بحجة أنها أمام مول تجاري، وهنا تتساءل بحسرة “لا أعرف لماذا يحاولون حصر أعمالنا الفنية داخل أماكن مغلقة فقط؟”!.

ولم تخف منال خشيتها من الانتقام لحديثها إلى وسائل الإعلام عمّا وصفته “القمع الذي يمارس عليها وزملائها الفنانين التشكيليين”، الذي قالت إنه سبب لهم “متاعب نفسية لم يحتملوها”.

إقرأ المزيد..