“سيلفي وجوه الحرب”.. جداريات الموت والحرب العبثية في اليمن

صدام الزيدي16 نوفمبر 2020هنا/الآن"سيلفي وجوه الحرب".. جداريات الموت والحرب العبثية في اليمنكثيرون حول العالم لا يعرفون شيئًا عن الحرب باليمنشارك هذا المقال 

يواصل فنان الغرافيتي اليمني مراد سبيع، المقيم في فرنسا، حملته الافتراضية “سيلفي وجوه الحرب”-  Faces of War Selfie ضمن مبادراته المناهضة للحرب الدائرة في اليمن والتنديد بها عبر الفن. وانطلقت الحملة يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وتسعى للفت أنظار العالم إلى ما يحدث في اليمن من حرب عبثية بين أطراف متصارعة، على حساب آلاف الضحايا، للعام السادس.
فكرة الاشتغال على “وجوه الحرب” هي في الأصل حملة جداريات كان سبيع نفذها في مدينة الحديدة الساحلية (غرب اليمن) في عام 2017، ليرسم ضمنها خمس جداريات ما بين الحديدة وصنعاء، قبل أن ينتقل مباشرة للرسم في لندن وباريس ومانشستر، استكمالًا للحملة.


مثلت حملة “وجوه الحرب”، المنجزة في 2017، الأساس لانطلاق حملة “سيلفي وجوه الحرب”، في 2020، لكن مع فارق في المضمون، فالأولى عبارة عن جداريات منفذة على أرض الواقع، بينما الثانية “افتراضية” تعتمد على تفاعلات مرتادي منصة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، غير أن رابطًا مهمًا يجمع بين الحملتين، هو “وجوه الحرب”، وهي بالطبع وجوه مهشمة أصابها ما أصابها من قصف ودمار ومآس وجراحات.
كما أن الصورة/ الجدارية، التي تمثل العنصر الأهم في حملة “سيلفي وجوه الحرب”، مأخوذة من حملة “وجوه الحرب”، مع اختلاف في التفاعل، وتتطلب مشاركة جمهور افتراضي من مختلف الجنسيات حول العالم، إذ تقوم فكرتها على تحميل صورة “سيلفي وجه الحرب” إلى الموبايل ثم وضعها على واجهة التلفون والتقاط صورة سيلفي معها شرط أن تحجب الصورة/ الموبايل وجه ملتقط الصورة وبالتالي يظهر (وجه من وجوه الحرب) كما رسمه مراد سبيع على أحد جدران مدينة الحديدة، قبل ثلاث سنوات، فيكون بديلا عن وجه ملتقط السيلفي، وبنشر الصورة موقعة بهاشتاق: #وجه_الحرب، تضاف تفاعلية جديدة تدعم الفكرة الافتراضية المنددة بالحرب التي أنهكت الحرث والنسل في بلد (كاليمن)، كثيرون حول العالم لا يعرفونه أو لا يعرفون شيئًا عن الحرب الدائرة فيه.

تضامن عالمي

يقول مراد سبيع لـ“ضفة ثالثة” إن سؤال الناس له في أوروبا هو: ما الذي يمكن أن يقدموه لليمن؟، ومن هنا جاءت حملة “سيلفي وجوه الحرب” لتشركهم في التضامن مع اليمنيين: “بهذه الحملة الافتراضية، جاءت الفرصة لهم ليقدموا تضامنهم وتنديدهم بهذه الحرب الكارثية على الشعب اليمني”.
وأردف: في ظروف الحجر وتعقيدات الخروج للرسم نتيجة للإجراءات الاحترازية في ظل جائحة كوفيد-19، وأيضا لصعوبة إيجاد جدران مناسبة للرسم، ولطبيعة عملي الذي يتطلب مشاركة الناس، أطلقت حملة افتراضية أدمج الناس في أعمالها، ضمن مبادراتي المناهضة للحرب العبثية في اليمن، عبر فن الشارع.
عن فكرة إطلاق حملته الافتراضية، ينوه سبيع أن صديقته الفرنسية كارولين مالاتخيت، بينما كانا يمشيان وسط باريس في إحدى المرات، أصرت على أن تُلتقط له صورة “سيلفي” بطريقة مغايرة تظهر فيها وجوه الحرب، وبالتالي لمعت فكرة حملة تفاعلية تعتمد على تفاعل الجمهور والمتابعين من أنحاء العالم.
ويضيف سبيع: وجدت أن الصورة مميزة وواضح تماما أنها تعبر عن اليمنيين – يمن الشتات ويمن الداخل أيضا- وكيف أنه معنا وجه واحد هو وجه الحرب، وجه الدمار، هذا الوجه المليء بالمعاناة والتعب. أخذت هذا الوجه (الصورة) ووجدت أنه عمل يستحق أن يكون أكثر من صورة، فأطلقتها حملة، وبالتالي تحولت من صورة عادية مميزة إلى حملة تفاعل معها الكثيرون.
ويلفت سبيع الانتباه إلى أن الصور المنشورة تباعا ضمن هاشتاق: #وجوه_الحرب يتم رفعها إلى موقعه الإلكتروني الشخصي، فيما يستمر التنديد بالحرب في اليمن، عبر هذه الصور (التفاعلات) الكثيرة لوجه واحد هو “وجه الحرب”.
عن مستوى التفاعل مع الحملة حتى الآن، يقول سبيع: تفاعل كبير من اليمنيين وخصوصًا من الجيل الجديد الذي هو جيل الحرب، ومن الأصدقاء والصديقات من حول العالم، لا سيما المهتمين باليمن أو الذين سمعوا عنها. لهذا كانوا متفاعلين جدًا، وتستطيع أن ترى عشرات الصور لأشخاص من أنحاء العالم تتفاعل مع الحملة. ما زالت الحملة مستمرة، وليس هناك تاريخ محدد لانتهائها، حتى الآن على الأقل. سيستمر العمل عليها بهذا الجهد التفاعلي البسيط والمهمّ في الآن نفسه.
يأسف سبيع (الحاصل على زمالة صندوق حماية الفنانين بجامعة إيكس مارسيليا- فرنسا)، لأن الحرب في بلده الأم (اليمن) غابت عن المشهد العالمي ولم تجد من يتحرك بفاعلية لإيقاف نزيفها: “منذ ست سنوات يخسر الإنسان اليمني بسبب الحرب كل يوم من مقدرات حياته ومن طاقته النفسية. قضت الحرب على عشرات الآلاف من اليمنيين قتلوا جراء الصراع فضلًا عن الخسارة الهائلة في الأرواح، وللأسف هذه الحرب غابت عن المشهد العالمي”.
ومستدركًا، قال سبيع: صحيح أن الحرب تحضر في المشهد العالمي، لكنها تحضر بشكل نادر وفي مناسبات عابرة. لم تحظ باهتمام دولي كما نتخيل. ثمة ناس يعرفون أن هناك حربًا في اليمن، وثمة ناس لا يعرفون أن هناك بلدًا اسمه اليمن. 



“لوِّن جدار شارعك


في مطلع الألفية، تحديدًا في بدايات عام 2001، بدأ مراد سبيع مع الرسم، أما انطلاقته الفعلية مع “فن الشارع” فكانت بعد الصراع العسكري الذي حصل وسط صنعاء في نهاية 2011 (عقب ثورة فبراير 2011)، لتأتي أولى حملاته في نشاط الجداريات، في 15 مارس/ آذار 2012، عندما أطلق حملة “لوِّن جدار شارعك”.
عن البدايات مع فن الشارع، يقول مراد سبيع في سياق حديثه لـ”ضفة ثالثة”: “بدأت منفردًا وكنت الوحيد في الرسم، آنذاك، في وسط صنعاء بين القوات المتصارعة. تحديدًا عند (جسر كنتاكي). كانت هناك قوات للنظام وقوات ما يسمى بـ (أنصار الثورة). قبل ذلك، مُنِعت من الرسم في مناطق سيطرة كلا الطرفين، سواء مناطق بشمال صنعاء أو بجنوبها، فلم يكن لدي تصريح ويجب أنني أخرج بتصريح وأشرح لهم ما الذي سأفعله، لكني لم أحب هذه الفكرة لأنه ما كانت الروح الثورية موجودة”.

كان لحملة “الجدران تتذكر وجوههم” تأثير كبير على المستويين الاجتماعي
والسياسي، وحتى داخل البرلمان اليمني، ودعوة الأمم المتحدة
للضغط لحماية الناس من جريمة الإخفاء القسري.



اندمج اليمنيون مع حملة سبيع الأولى في “فن الشارع”، ثم بعد ثلاثة أشهر من حملة “لوِّن جدار شارعك”، انتشرت حملات أخرى في نفس النشاط تبنّاها أشخاص آخرون في مدن مثل تعز، الحديدة، عدن، إب، حضرموت، ومأرب.
حملة مراد الأولى تركت لديه انطباعًا بأنّ “الإنسان اليمني يريد فقط مشروعا” وهنا يقول: “نطاق الحملة كان بسيطًا لكن رأيت كيف أن اليمني مستعد لأن يبني بلده”.
انتشار الحملة الأولى “كالنار في الهشيم”، كما يقول، كرّس لتوسع رقعة “فن الشارع” في اليمن، جاعلًا من هذا الفن فنًا جديدًا ومشهدًا طبيعيًا في تاريخ اليمن، وبعدها توالت الحملات، ووصلت إلى تسع حملات لمراد سبيع وحده، حتى الآن. 

الجدران تتذكر وجوههم”

لفترة تزيد عن سبعة أشهر، نفذ سبيع حملة “الجدران تتذكر وجوههم”، وهي حملة لرسم وجوه “المختفين قسريًا”، برزت فيها أسر المخفيين قسريًا كناشطين رئيسيين، وتمكنت الحملة من رسم وجوه (102) مختفٍ قسريًا، مع تكرار لبعض الصور هنا وهناك لأكثر من عشر مرات. ووفقًا لسبيع: “نتج عن الحملة مئات الجداريات بين أربع مدن رئيسة: صنعاء، إب، تعز، الحديدة”.
كان لحملة “الجدران تتذكر وجوههم” تأثير كبير على المستويين الاجتماعي والسياسي، وحتى داخل البرلمان اليمني، ودعوة الأمم المتحدة للضغط لحماية الناس من جريمة الإخفاء القسري.
يقول سبيع إن مشاركة المجتمع اليمني مع حملة رسم وجوه المخفيين قسريا على جدران صنعاء وعدة مدن يمنية، أسهم في نجاح حملاته كما أن المجتمع هو جوهر كل حملات فن الشارع وتعطي مشاركته دفعة قوية للفنان لمواصلة ما يقدمه من فن، لا سيما تفاعل الناس العاديين في الشارع: الأطفال والنساء ممن لا يعرفهم.
ويعتبر سبيع مثل هذا النشاط عملية تحريض للذاكرة اليمنية، ذلك لأن الحملات خلقت نقاشًا في الشارع: “لم تكن فقط مجرد حملات. كان الناس يتناقشون حول الجداريات والوجوه والأسماء، منهم من ينتقد، ومنهم من يريد أن يساهم، إما عبر فكرة أو عبر مواد”.
وبشأن تمويل حملاته أوضح سبيع أن غالبية المواد التي يستخدمها في الرسم يتم تمويلها عبر اليمنيين أنفسهم، مؤكدا أنه يرفض تأطير حملاته وأنه لا يقبل أن تمول عبر مؤسسات أو شركات أو حتى منظمات أو أشخاص لهم شبهة معينة “إلا من أشخاص عاديين أو أصدقاء أنا أثق أنهم لا ينتمون لأي طرف سياسي”.
بعد ذلك، نفذ سبيع حملة جداريات بعنوان “12 ساعة”، وهي حملة استمرت لمدة عام في الرسم على الجدران حول 12 قضية من قضايا المجتمع اليمني. يقول سبيع عنها: “كانت حملة محدودة بعض الشيء، من ناحية المشاركة، لكنها كانت حرفية أكثر. شارك معي في تنفيذ رسوماتها بعض الفنانين والفنانات اليمنيين، وهذا أعطى فرصة لهؤلاء الفنانين في أن يصقلوا مهاراتهم وأن يستمروا بعدها، كما أعطى دفعة مهمة جدًا للنشاط وللساحة اليمنية في (فن الشارع)، حيث تحولت إلى ساحة مهمة في المنطقة، في هذا المجال، وخصوصا وقت الحرب”.
وسط صنعاء، في شارع الجزائر، نفذ مراد سبيع حملة نصب “إل مقه”، وقال بهذا الصدد إنه كان يحاول إطلاق هذا العمل لكن الحرب أتت وخنقت هذه الحملة، القائمة على نشاط المنحوتات والمجسمات: “أنتجت فقط عملا واحدا (بطول مترين ونصف المتر) من الحديد والخرسانة في وسط شارع الجزائر بعد أن أعطتني وقتها بلدية صنعاء مساحة (متر ونصف × متر ونصف) لأقيم هذا النصب عليها. 




حُطام الحرب”

“حطام الحرب” حملة جداريات أخرى لمراد سبيع وهي الخامسة في ترتيب حملاته الغرافيتية. نفذت في منطقة “بني حوات” في صنعاء التي دُمِّرت فيها سبعة منازل جراء القصف وقتل 27 شخصا منهم 12 طفلا، ثم انتقلت الحملة إلى مناطق فقيرة جدًا مثل تعز وعمران. ويتحدث سبيع عن صعوبات واجهها مع السلطات والميليشيات في مناطق الصراع، حيث كان يرافقه في الرسم بعض الفنانين اليمنيين، مبينًا أن هذه الحملة التي استمرت قرابة عامين أنجزت 14 جدارية. 
في 2017 نفذ سبيع حملة “وجوه الحرب” انطلاقًا من مدينة الحديدة (3 جداريات)، وفي صنعاء (جداريتين)، ثم غادر بعدها اليمن لينفذ جداريتين في لندن وجدارية في مانشستر وجدارية في باريس.
يقول مراد: “هذه الحملة كانت بدون مشاركة مجتمعية. عندما أطلقتها في اليمن حصلت ضغوطات كبيرة جدًا مما دفعني للاشتغال عليها بشكل منفرد. ولأنها عمل متكامل واحد، فقد اشتغلتها مستخدمًا تكنيك (الكولاج): أن ترسم على ورقة ثم تشتغلها على الكمبيوتر، ثم طباعتها بحجم كبير وإلصاقها”.

يقول مراد سبيع إنه بجهوده البسيطة سيواصل حملاته في فن الغرافيتي وطالما
أن الحرب مستمرة في اليمن فهو مستمر بجدارياته للتنديد بها،
داعيا الشباب اليمني للعمل من أجل إيقاف الحرب

“رقصة الموت الأخيرة”

فور وصوله إلى باريس، أطلق سبيع حملة “بونابيتن” أي: شهية طيبة. ثم أخذت جدارياته تركز على قضايا دولية مثل بيع الأسلحة وتمويل الحرب، من خلال أربع جداريات (وبوستر بينها) منجزة. إلا أن حملة “رقصة الموت الأخيرة” التي تبعت حملة “شهية طيبة” كان لها صدى أكبر داخل أوروبا، وتمثلت في ثلاث جداريات منها جدارية وسط باريس، وتفاعلا مع هذا النشاط دُعي سبيع إلى لقاء داخل قصر الإليزيه الفرنسي لسماع شهادته حول الحرب في اليمن. وهناك جدارية في مارسيليا وثالثة في لندن.
يقول مراد سبيع إنه بجهوده البسيطة سيواصل حملاته في فن الغرافيتي وطالما أن الحرب مستمرة في اليمن فهو مستمر بجدارياته للتنديد بها، داعيا الشباب اليمني للعمل من أجل إيقاف الحرب: “اليمن وطننا جميعًا ولن تبقى وحيدة، وهذا يجب أن يكون شعار كل الشباب في اليمن: أن تبقى اليمن في القلب وأن نعمل من أجلها ما نستطيع”.
ختامًا يؤكد سبيع أن على الفنان (في مجالات الفن والإبداع كافة) دور كبير في هذا الوقت الصعب جدًا في تاريخ اليمن (أو تاريخ أي بلد)، دور أن يحضر وأن يكون صوتًا للناس.

رابط المقال..